مراجعة كتاب مع أبي العلاء في رحلة حياته

 مع أبي العلاء في رحلة حياته

للأستاذة عائشة عبدالرحمن "بنت الشاطئ" رحمها الله التي أمضت مع أبي العلاء المعري خمسة وعشرين عامًا في تحقيق كتابه: "رسالة الغفران".


الكتاب يبدأ بقصة حياة أبي العلاء تمهيدًا لها، بذكر ما كان قبل مولده ساردًا سير أجداده وآبائه وأخواله بني سبيكة، ثم يذكر كيف أمسى ضريرًا وخيم عليه ليل الأسى ودياجيه،  ثم مأساته بفقد أحبابه وتساقطهم تساقط الدر من النظام، بدءً بأبيه متيتّمًا غلامًا وهو ابن اثنتي عشرة سنة، راثيًا إياه - وهو غلام - قائلًا:


أبي حَكَمَتْ فيهِ اللّيالي ولم تَزَلْ

رِماحُ المَنايا قادِراتٍ على الطّعنِ 


ثم يذكر رحلته لبغداد ولقاءه الشريف الرضي، وكيف احتفى أهل بغداد بمحضره، قائلًا فيهم:


وبالعِراقِ رجالٌ قُرْبُهمْ شَرَفٌ 

 هاجرْتُ في حبّهِمْ رَهْطي وأشياعي 


لكنه يعود لذكر دياره معرّة النعمان مشتاقًا:


فيا بَرْق ليس الكَرْخُ داري وإنما 

 رَماني إليه الدهرُ مُنْذُ لَيالِ 


فهل فيكَ من ماء المَعَرّةِ قَطْرَةٌ 

 تُغيثُ بها ظَمآنَ ليسَ بسالِ


ثم يعود للشام معتذرًا من أهل العراق بقوله:


أُوَدّعُكُمْ يا أهلَ بَغدادَ والحَشَا 

 على زَفَراتٍ ما يَنِينَ مِن اللّذْع 


فبِئْسَ البَديلُ الشأمُ مِنكمْ وأهلُه 

 على أنّهمْ قوْمي وبَيْنَهُمُ رَبْعي 


وفور إيابه يجد الفاجعة الفاقرة بخبر أمه التي رحلت عن الدنيا بغير وداع، فرثاها بقصيدة طويلة مطلعها:

سَمِعْتُ نَعِيّها صَمِّي صَمَامِ 

 وإنْ قالَ العَوَاذِلُ لا هَمَامِ 


وأمَتْني إلى الأجْداثِ أُمٌّ 

 يَعِزّ عَلَيّ أنْ سارَتْ أمامي 


وأُكْبِرُ أنْ يُرَثّيها لِساني 

 بلَفْظٍ سالِكٍ طُرُقَ الطّعامِ 


كأنّ نَواجِذي رُدِيَتْ بصَخْرٍ 

 ولم يَمْرُرْ بهِنَّ سِوَى كلامِ 


فيا رَكْبَ المَنُونِ أمَا رَسُولٌ 

 يُبَلّغُ رُوحَها أرَجَ السّلامِ 

ولم تمض إلا بضع سنين، حتى غال الموت أخاه الأصغر، قاصمًا ظهر أبي العلاء، بافتراق لا يرجى بعده لقاء، فقرر بعدها أبو العلاء حبس نفسه في معرة النعمان، فارضًا على نفسه ألا يبرح بيته، وأن يتأيم تاركًا الزواج، وأن يترك الملذات، قانعًا من الطعام بالنبات، فلبث في محبسه بالمعرة تسعًا وأربعين سنة لم يغادره إلا مرة واحدة لم تتكرر، حين حمله قومه على أن يشفع لهم عند أسد الدولة وقد قال له عند لقائه:


تَغَيَّبتُ في مَنزِلي بُرهَةً 

 سَتيرَ العُيوبِ فَقيدَ الحَسَد 


فَلَمّا مَضى العُمرُ إِلّا الأَقَلَّ 

 وَحُمَّ لِروحي فُراقُ الجَسَد 


بُعِثتُ شَفيعًا إِلى صالِحٍ 

 وَذاكَ مِنَ القَومِ رَأيٌ فَسَد 


فَيَسمَعُ مِنّي سَجعَ الحَمامِ 

 وَأَسمَعُ مِنهُ زَئيرَ الأَسَد 


وقد أمضى ثماني عشرة سنة في محبسه، بالغًا من العمر خمسًا وخمسين سنة، معتقدًا أنه لم يبق من عمره إلا الأقل، لكن ظنه أخلفه فكابد الحياة بعدها أكثر من ثلاثين سنة إلى أن توفي وهو ذو أربع وثمانين سنة، موصيًا أن يكتب على قبره:

هذا جناهُ أبي عليَّ وما جنيتُ على أحد⁩

بعد حياة أمضاها رهين المحبسين، تاركًا خلفه عشرات المؤلفات، من ضمنها:

-الصاهل والشاحج، على لسان فرس وبغل (حققته الدكتورة عائشة عبدالرحمن مؤلفة الكتاب).

-القائف، وفيه أمثال على معنى كليلة ودمنة.

-ألف الثلاثة.

-رسالة الغرض. 

-اللامع العزيزي، في شرح ديوان المتنبي.

-عبث الوليد.

-شرف السيف.

-رسالة الإغريض.

-سجع الحمائم.

 -ضوء السقط (شرح لديوانه سقط الزند).

-رسالة الغفران (حققتها الدكتورة عائشة عبدالرحمن مؤلفة الكتاب).

-ديوان اللزوميات.

-رسالة الملائكة.

-معجز أحمد، في شرح ديوان المتنبي.

وغيرها من المؤلفات، التي بقي بعضها، وضاع أكثرها.  

وتتلمذ على يده عشرات التلاميذ، منهم الخطيب التبريزي، وقد أَبت على أبي العلاء مروءَته أَن يقبل من تلميذه الخطيب التبريزي نفقة إقامته التي طالت عنده . وفي الخبر أَن الخطيب "كان - عند وصوله إلى أَبي العلاء قد أعطاه صُرَّة فيها ذهب ليدفعها إلى من يختار ، كي ينفق منها على ما يحتاج إليه من طعام ، ويتوفر هو على القراءة والدرس . فأَخذ أَبو العلاء الصرة ، وهيأ لتلميذه مطالب العيش طول مقامه بمعرة النعمان ، وهو يظن أَن ذلك من ذَهبه الذي دفعه إلى الشيخ . فلما حان وقت رحيله وودع شيخه ، دفع إليه صرته بعينها لم تُمس"، وقد ألف الخطيب التبريزي كتابًا أسماه: "الإيضاح في شرح سقط الزند وضوئه" وطبع بتحقيق الدكتور فخر الدين قباوة.


ولم يسلم من الاتهامات التي طالته في حياته، وبعد وفاته، وهو القائل:

إِذا قالَ فيكَ الناسُ ما لا تُحِبُّهُ 

 فَصَبرًا يَفِئ وُدَّ العَدوِّ إِلَيكا 


وَقَد نَطَقوا مَينًا عَلى اللَهِ وَاِفتَروا 

 فَما لَهُم لا يَفتَرونَ عَلَيكا 

فقد كتب إلى أمير حلب "رسالة الضبعين" يشكو تحريف رجلين لبعض شعره في لزوم ما لا يلزم قصدًا لإيقاعه وإهلاكه.


ورثاه الأمير أبو الفتح الحسن بن عبدالله المعري في أبيات:

العِلمُ بَعدَ أَبي العَلاءِ مُضَيَّعُ

 وَالأَرضُ خالِيَةُ الجَوانِبِ بَلقعُ 

أَودى وَقَد مَلَأَ البِلادَ غَرائِبًا 

تَسرِي كَما تَسرِي النُّجُومُ الطُّلَّعُ

ما كُنتُ أَعلَمُ وَهوَ يُودَعُ في الثَرى

 أَنَّ الثَرى فِيهِ الكَواكِبُ تُودَعُ

 جَبَلٌ ظَنَنتُ وَقَد تَزَعزَعَ رُكنُهُ

 أَنَّ الجِبالَ الراسِياتِ تُزَعزَعُ

 وبعد وفاته ظلم واتهم بأبيات وضعت عليه، تلقفها بعض المتنطعين وسارعوا برميه بالزندقة بلا تثبت ولا رويّة، وقد كتب ابن العديم كتابًا أسماه: "كتاب الإنصاف والتحرّي، في دفع الظلم والتجرّي، عن أبي العلاء المعرّي"، وقال فيه  فيه: "إنه اعتبر مَن ذمَّ أَبا العلاء ومن مَدَحه ، فوجد كلَّ من ذمَّه لم يره ولا صحبه . ووجد كلَّ مَن لقيه هو المادح له . وهذا دليل لما قلتُه"، وعجب ابن فضل اللّٰه العُمَري ( ت ٧٤٩ ه)، لما لحق أَبا العلاء من ظلم وافتراء، مع ورعه وزهده، فقال في مسالك الأبصار: "رفض الدنيا وما سَلِمَ، وتداوى باليأس من مطامعها ودارى الناسَ بتركِ حظه لهم، ومع هذا ظُلِمَ. نفض يديه من الدنيا وساكنها، وخفض لديه قدر محاسنها، وأَخذ نفسَه بالقناعة حتى صارت جُنَّةً تقيه المطامع ، ومنَّةً تقوِّيه على الأَمل الطامع.

وليت من اتهم أبا العلاء بمثل هذا، قد اتعظ بقوله:

الغَيبُ مَجهولٌ يُحارُ دَليلُهُ 

‏ وَاللُبُّ يَأمُرُ أَهلَهُ أَن يَتَّقوا 


‏لا تَظلِموا المَوتى وَإِن طالَ المَدى 

‏ إِنّي أَخافُ عَلَيكُمُ أَن تَلتَقوا

التقييم:

★★★★★⁩

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أفضل تحقيقات الدواوين لشعراء الطبقات وغيرهم

مقطوعات وأشعار

آلية تقييم مقترحة للمطاعم والمقاهي على خرائط جوجل