التعارضُ بين الجماهيرية والجودة.

 قد يعرف المرء رجلًا ذا عقلٍ راجح، ورأي سديد، وتتعاقب الأيام والشهور ومتابعوه لا ينفكون عن الازدياد، فإذا به أصبح مشهورًا، ثم يكبّل هذا الرجل بأغلال الشهرة، التي صار من بعدها عليه ألف عين، وأصحاب هذه العيون عقولهم تتفاوت، وأفهامهم تتباين، فمنهم الألمعيّ الفطن الذي يفهم دقائق الأمور، ومنهم الأنوك الفدم القبنقع الذي يسيء فهم أظهرها وأوضحها، فيغضب ويهيج كل الاهتياج، وإضافةً للتفاوت بالذكاء والفهم، فالناس تتفاوت بمذاهبها وانتماءاتها، فمنهم الذكران والنسوان، ومنهم العرب والعجم، ومنهم المسلمون والكفار، والمسلمون منهم طوائف حصرها يعيي المرء، والكفار لهم أضعاف تلك الطوائف، وجميع هؤلاء تقسم بينهم دول وقبائل، كل رجل منهم تغلي مراجلُهُ بحبّ حزب وزعيم مختلف، وأهواؤهم شتى، فلو تجمعوا حول رجل، ينبغي له مداهنتهم ومراعاتهم وأن يصوغ الكلامَ أحسن صياغة، ويدبّجه أحسن ديباجة، وينقحه كلّ التنقيح، ولو كان حقًّا، فالحقُّ مَغضَبَةٌ، يقول ابنُ القيّم:


"وَأَكْثَرُ النَّاسِ ضُعَفَاءُ الْعُقُولِ يَقْبَلُونَ الشَّيْءَ بِلَفْظٍ وَيَرُدُّونَهُ بِعَيْنِهِ بِلَفْظٍ آخَرَ"


وإن دبّجَ كلامَه ونقّحَهُ وهذّبَه، وتجشّم في سبيل هذا المصاعب، فقد لا ينفعه التهذيب والتنقيح، يقولُ بشار بن رد:


لَعَمري لَقَد هَذَّبتُ قَولي وَلَم أَدَع

مَقالًا لِمُغتابٍ وَدَعوى لِمَن لَحا


وَمَن كانَ ذا فَهمٍ بَليدٍ وَعَقلُهُ

بِهِ عِلَّةٌ عابَ الكَلامَ المُنَقَّحا  


فذوو الفهم البليد، لا يفهمون أبسط الأمور وأوضحها، وسأضربُ تبيينًا لهذا مثالًا، لو قال أحدهم: "الأم تحمل بالأطفال وتعتني بهم بعد ولادتهم"، قد يستدرك عليه أحدهم: "ليس شرطًا، فأنا أعرف امرأةً عاقرًا، وأطفالها بالتبني"، ولو قال أحدهم: "شعب سويسرا أغنى من شعب الصومال"، قد يستدرك عليه أحدهم: "لا تعمم، أعرف صوماليًّا فاحش الثراء ولديه قصور وسيارات ثمن الواحدة أغلى من دخل السويسري عامًا كاملًا"، وعامة الناس وسوادهم فهمهم قريب مما ذكرت، فلو كان الرجل من ذوي الفضل والنهى، سيضيق ويسأم من هذا، إذ أن كلّ كلمة قد يستدرك عليها الحمقى استدراكات تافهة، فيضطر لتوضيح الواضحات مرارًا، أو تحمّل كلامهم والصبر عليه.


وعامة الناس من أصحاب الحمق وذوي الجهالة لا يميلون للظن والتشكك، إنما التيقن والتثبت، ويميلون إما للتصويب مطلقًا، أو التخطئة مطلقًا، ولا يعرفون حالًا بينهما، كما قال الجاحظ:

"والعوامّ أقلّ شكوكا من الخواص، لأنّهم لا يتوقّفون في التصديق والتكذيب ولا يرتابون بأنفسهم، فليس عندهم إلّا الإقدام على التّصديق المجرّد، أو على التكذيب المجرد، وألغوا الحال الثالثة من حال الشّكّ التي تشتمل على طبقات الشك، وذلك على قدر سوء الظنّ وحسن الظّن بأسباب ذلك. وعلى مقادير الأغلب" 

وقد يظن القارئ أني أخصّ بهذا كبار الأمور وعظام الخطوب وما جل من الحوادث، وليس هذا صحيحًا، فإن عامة الناس لا يقبلون النسبية حتى بالأمور التافهة ككرة القدم، والآراء المختلفة في شأن المسلسلات والأفلام، ولو وقف المرء على الحياد أو التشكك قد يتكالب عليه طرفا النزاع ويتناهشون لحمه تناهش الضباع، وهذا بالأمور السخيفة التي تقبل النزاع ويسوغ فيها الاختلاف، فكيف لو توقّف وشكك بأمر يهمهم كرأي ديني أو خلاف سياسي؟ 


ولو سلم الرجل من الرعاع والهمج والغوغاء الجهلة، فكيف يسلم من المتعصبين؟ قد يضيق الرجل بالناس مختلفي المذاهب والأهواء والملل حوله، ولو لم يكن ضيّقَ العَطَن، فإنّ كُلَّ كلمةٍ منه قد تجرّ خلافاتٍ بينهم، وإني رأيت التعصّبَ له غشاوة كغشاوة الجهل والحُمْق، فكلّما تعصب المرء لدعوة أو مذهب أو حزب ونحوه، زاد تعاميه عن الحقائق مهما كانت بَلجَاءَ ظاهرة، ولو سبر أغوار العلم وكان من ذوي النهى فإن ذلك لا ينفعه، لا سيّما إن كان شديد التعصّب وله ارتباطات قديمة وفيها المصلحة، كمن يدين بدين آبائه أو ينافح عن قومه ويذود عن حياضهم.


الشهرة مقبرة الجودة، وكلما قل الرقباء، اتسع الفضاء، وصفت الأجواء، وكان المرء مرتاحًا يقول مقالته دون خشية أن تغوله غوائلها، أو أن يهيج عليه الناس. وإن الطرح العالي ينفّر العامة لصعوبته ووعورته وكثرة تفاصيله ودقائقه، فعامة الناس يميلون للتسبيب السطحي، والحجج الظاهرة، ولو كانت ضعيفة، فلو رأيت ناقدًا سينمائيًّا يذكر مصطلحات نقدية متقدمة، أو محللًا سياسيًّا يسهب في ذكر التفاصيل، ستجد عنده خاصّة الناس ممن كان النقد أو السياسة تهمه، فأصحاب الفن وذووه يقصدون البحار يغترفون منها ولا تنفد، أما العامة فغايتهم البئر الضهول. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أفضل تحقيقات الدواوين لشعراء الطبقات وغيرهم

مقطوعات وأشعار

آلية تقييم مقترحة للمطاعم والمقاهي على خرائط جوجل