حسنة تويتر (X) ومثالبه
تعاقبت أعوام منذ أن دخلت لهذا البرنامج للمرة الأولى، وكما يوحي عنوان هذه المقالة، رأيت فيه حسنة كبرى يتيمة، ومثالب وعواقب وخيمة، أما الحسنة الكبرى، التي لا يشاركه فيها إلا اليوتيوب والتيليجرام، أن دوائر المهتمين وخاصة العلوم الوصول لها يسير وسهل، وهي موجودة بكثرة، وهذا كذلك تجده في اليوتيوب والتيليجرام، فتجد أهل الطب وخاصته، والنحاة واللغويين، وأهل الشعر والأدب، وأهل السياسة والاقتصاد، ومن هم على مستوى عالٍ في مختلف الفنون والعلوم، إذا ما قارنت تويتر بالأنستجرام مثلًا، رأيت تويتر كفيض الفرات، والأنستجرام كراشح الأوشال (الوشل: مَاء قليل يتحلّب من جَبَل أو صخرة ولا يتّصل قطره)، ولا أعني بهذا أن أهل تويتر كفيض الفرات، بل إن الغث فيهم أضعاف السمين، لكن مقارنة ببقية البرامج فهو كذلك.
-العيب الأول:
أما معايب تويتر ومثالبه فهي جمة، وأعظمها والتي لا يسلم منها أحد السلبية؛ فإنك مهما حاولت تجنّبها، فالبرنامج نفسه مصمم لنشرها، وجماهير الناس فيه يضرمون نيران الخلافات ويؤججونها، والأخبار السلبية فيه بدءً من الحروب والأخبار السياسية، مرورًا إلى العنصرية بين الشعوب، التي يتجشّم البعض نشرها، فتجده يرتحل مُنقّبًا عن الشتم والسباب في الفيسبوك، ويؤوب ناشرًا إياه قائلًا: "انظروا ماذا يقولون عنا!، وإني لست هنا بصدد التعريج على العنصرية وتصويبها أو تخطئتها، إذ إنني لا أكترث ولا أعبأ بالتقارب بين الشعوب أو التباعد، لكني ذكرت هذا الفعل الشائع مثالًا على نشر السلبية واجتلابها، وقد يكون لهم مآرب وغايات من فعلهم هذا، كما قال العميد ويليام رالف اينج: "إنّ الأمة مجتمع وحّدَه وهمٌ مشتركٌ في تعريف أسلافه، وكراهية مشتركة لجيرانه"، وفي مثل هذا الفعل يشترك المتدينون بمذاهبهم وطرقهم، والذكوريون، والنسويات، والعلمانيون إلخ... فتجد الكل يجتهد بنشر مقابح الآخر ومساويه ولا ينفك عن تتبع فضائحه والتشهير به سعيًا لشيطنته، وهذا يكوّن حالة سلبية عامة في البرنامج، يعرفها من تركه ورأى انشراح صدره بعدها، بالإضافة إلى انتشار التنمّر بظل كثرة الحسابات الوهمية التي تشجّع أصحابها على الصفاقة والوقاحة والتفوه بكلام لا يجترئ الرجل منهم على قول عشره في الواقع.
-العيب الثاني:
وهذا العيب الخطير مرتبط بالسلبية، بل إن السلبية لو كانت فحلًا، لما ألقحت إلا هذا العيب، وهو التحريض، وهذا التحريض قد يكون أمنيّا بتتبع الزلات والكلام القديم والقَتّ والوشاية، وقد يكون من باب الرزق بالسعي لفصل الشخص من جامعته أو وظيفته والإضرار به، وقد يكون بالسعي لفضحه بين أهله ومعارفه، وقد صدق الرصافي أيما صدق وهو يصور حال الناس:
رأيتُ الورى كلاًّ يراقِبُ غيرَهُ
فَكُلٌّ عليهِ من سواهُ رقيبُ
ومن أجلِ هذا قد نرى كلَّ فاعِلٍ
إلى الناسِ في كلّ الفعالِ يُنِيبُ
ولو باحَ كلٌّ بالذي هُوَ كاتمٌ
لما كانَ في هذا الأنامِ أَدِيبُ
-العيب الثالث:
وهذا في كل البرامج، ولا يكاد يسلم منه إلا التيليجرام، وهو الإسفاف، فتجد معظم الحسابات الشهيرة والتي تروّجها الخوارزميّة تنشر المحتوى التافه كأخبار الحمقى والمشاهير، وتحويل كل مأساة وخطب جلل إلى مادة للتندر والضحك، والأقوال والمقاطع والأخبار المعادة المكرورة التي تنشر عشرات المرات لإثارة الجدل، ولو اطلع كعب بن زهير القائل:
ما أَرانا نَقولُ إِلّا رَجيعًا
وَمُعادًا مِن قَولِنا مَكرورا
على أحوالِ هذه الحسابات لوجد في بيته وصفًا صادقًا لهم.
-العيب الرابع:
أنها تمكّن الطغام والجهلة والسفهاء وحطّاب الليل من التصدّر، ويعجب الحصيف من حال الرجل منهم، إذ تراه يتكلم في التاريخ والأديان والسياسة والاقتصاد والفنون وينشر الحلول كأنه أوتي مفاتيح العلم كلها ونال أسباب السماء، وهذا التوهم المعرفي مُعدٍ مثلُه كمَثَلِ الجرب والطاعون، ويفتح الباب للسفهاء للتطاول على أهل العلم الذين شربوا منه عللًا بعد نهل وسبروا أغواره وعرفوا حقائقه، وفصوله ودقائقه، ويصف حال كثير من المتصدرين قول ابن دريد الأزدي:
جَهِلتَ فَعادَيتَ العُلومَ وَأَهلَها
كَذاكَ يُعادي العِلمَ مَن هُوَ جاهِلُهْ
وَمَن كانَ يَهوى أَن يُرى مُتَصَدِّرًا
وَيَكرَهُ لا أَدري أَصيبَت مَقاتِلُهْ
وإنما ذكرت أبرز العيوب التي أراها، ولو ذكرت العيوب الأخرى كالسعار الجنسي والشبق، وإهدار الوقت، وإفقار اللغة بكثرة استعمال الرياكشنات والصور، إلخ... قد تطول المقالة، ولا أبتغي الإطالة والتفصيل، وأكتفي بشذور أرجو أن تنفع القارئ.
نصٌّ رصينٌ، مشحونٌ بصدق التجربة وحدّة الملاحظة، جمع بين جزالة العبارة وعمق الفكرة، فأصاب كبد الداء دون مواربة. أحسنت في التفريق بين حسنة الوصول إلى دوائر العلم، وبين مثالب السلبية والتحريض وتسليع التفاهة وتمكين الجهالة، فجاء نقدك متزنًا غير منساق خلف انفعالٍ عابر. وأكثر ما يُحسب للنص أنه لا يكتفي بوصف العلل، بل يضع القارئ أمام مرآة نفسه وسلوكه، ويذكّره بأن فساد المنصات إنما يتغذّى من فساد الاستعمال. تعليق يُقرأ بتأنٍّ، ويستحق أن يُتداول بين من لم يدرك بعد لماذا يضيق صدره كلما طال مقامه هناك
ردحذف